إحصاءات الموقع

الزوار: 1113817
الوظيفة العمومية: تحديات الإصلاح الإداري وآفاق التشغيل طباعة ارسال لصديق

Imageتمت معالجة  هدا الموضوع من منظور الرفيق محمد هاكاش كمناضل نقابي بالاتحاد المغربي للشغل ومهتم بقضايا الوظيفة العمومية بحكم  مسؤوليته  ككاتب عام بالنيابة للاتحاد النقابي للموظفين محاولا أن يجيب عن التساؤل التالي:

"إلى أي حد يمكن لقطاع الوظيفة العمومية المساهمة في إنعاش التشغيل في ظل المتغيرات والتحولات التي يعرفها القطاع" عبر تعرضه لمميزات قطاع الوظيفة العمومية كعالم أو كمجال للشغل، وبطبيعة العلاقة الشغلية التي تحكمه مع استعراض أهميتة وضعيته والبحث في آفاق ورهانات التشغيل في إطار محاولات الإصلاح الإداري المرتقب والمتجسد في مجموعة من المشاريع المطروحة للمصادقة والتطبيق وخاصة مشروع القانون المتعلق بالإدارة وبالنظام الأساسي للوظيفة العمومية.


 

ولتأطير مداخلته ارتأى الرفيق محمد هاكاش أن يطرح بعض المنطلقات التي اعتبرها من وجهة نظره أساسية لمقاربة إشكالية التشغيل بصفة عامة والتشغيل بقطاع الوظيفة العمومية بصفة خاصة.

I-          المنطلقات

1.  إن التشغيل ليس مشكلا تقنيا بل مشكلا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وهو وسيلة من خلالها تتم المشاركة الفعالة والنشيطة والحرة لكافة المواطنات والمواطنين النشيطين في الإنتاج كما يتم توزيع نتائج وفوائد الإنتاج ويمكن أن نستند لدعم هذا المنطلق إلى تعريف التنمية الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم  المتحدة في دجنبر 1986 في "إعلان الحق في التنمية" "حيث تعتبر التنمية عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة ومستديمة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان وأسرهم على أساس مشاركتهم النشيطة الحرة والهادفة في التنمية وفي التوزيع العادل للخيرات والفوائد الناجمة عنها"

2. التشغيل عملية تجسد الاختيار الاقتصادي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي لبلد معين بحيث لا يمكن القضاء على البطالة أو حصرها في حدود معقولة في ظل الهياكل الاقتصادية للرأسمالية التبعية والليبرالية المتوحشة.

3. اعتبار الدولة مسؤولة على إيجاد الحلول الناجعة لإشكالية التشغيل مع إشراك كل الفعاليات والهيئات والمنظمات والجمعيات المعنية لبلورة ملف التشغيل. ولا يمكن إعفاء الدولة من هذه المسؤولية مهما كان اختيارها الاقتصادي مما يحتم عليها طرح برنامج واضح يتضمن إجراءات ملموسة.

4.     لا يمكن للقطاع الخاص أن يساهم بفعالية في حل إشكالية التشغيل مادام هشا، ضعيفا، غير منظم وتحت وصاية الدولة يقتات من الريع ومن الامتيازات.

5.     مساهمة الدولة في التشغيل المباشر يجب أن ينطلق من الاحتياجات الضرورية للمواطنين في المجالات الاجتماعية كالتعليم والصحة والتجهيزات الأساسية...إلخ عبر الرفع من مستوى الاستثمارات العمومية بدل أن تظل حبيسة المقاربة المالية.

II-      مميزات قطاع الوظيفة العمومية كمجال للشغل

1.     مفهوم الوظيفة العمومية:

تعتبر الوظيفة العمومية من أهم المرافق الإدارية التي تعنى بشؤون الموظفين والموظفات بدءا بالتوظيف وانتهاء بالتقاعد مرورا بكل الواجبات والحقوق التي تربط الموظفة أو الموظف بمشغله (ها) المتجسد في الدولة.

كما تعتبر من جهة أخرى من أهم المرافق التي تقدم خدماتها باسم الدولة للمواطنين والمواطنات بواسطة النشاط الإداري الذي يقوم به الموظفون والموظفات على مستوى مختلف الإدارات العمومية والجماعات المحلية مركزيا وجهويا ومحليا. وبهذا المعنى فإن الوظيفة العمومية أداة أساسية في يد الدولة لدعم التنمية وتأطيرها وإشباع حاجيات المواطنين والمواطنات.

وانطلاقا من هذا التعريف المركب يمكن استنتاج مدلولين اثنين للوظيفة العمومية:

الأول على المستوى المضمون والمتعلق بالنشاط الإداري أو الخدمات الإدارية والموظفين الذين يقومون بهذا النشاط ويقدمون هذه الخدمات.

الثاني على مستوى الشكل ويخص مجموعة القوانين المتحكمة في المسار الوظيفي للموظف وطريقة تسيير الإدارة.

وتجدر الإشارة إلى أن المستوى الأول يجد مدلوله في الاختيار التنموي للبلد أما المستوى الثاني فيتم التعبير عنه في إطار النظام الأساسي للوظيفة العمومية.

ولاستيعاب مفهموم الوظيفة العمومية في بلد ما يجب أن نقرأ أن سمات وخصائص الوظيفة العمومية تختلف تبعا لاختلاف العوامل المؤثرة فيها من تاريخية واقتصادية وسياسية وثقافية.

إلا أن هناك تيارين تتمحور حولهما مختلف أشكال الوظيفة العمومية:

  • النظام الأمريكي: الذي يعتبر الوظيفة العمومية كنظام للتشغيل وكعلاقة تعاقدية.

  • النظام الفرنسي حيث الوظيفة العمومية مهنة دائمة تتميز بالدوام والثبات والاستقرار وهي بالتالي علاقة تنظيمية.

أما بالنسبة للوظيفة العمومية المغربية، فباستثناء بعض الوظائف التي يمكن أن تدخل في إطار النظام الأمريكي كلجوء الإدارة إلى التعاقد مع بعض الأعوان لملء فراغ حاصل في بعض المهام (التلفزة، أعضاء دواوين الوزراء ...) فإنها وظيفة دائمة كالنظام الفرنسي استمدت أحكامها في جوهرها من القانون الفرنسي لسنة 1946.

ولكن يجب أن نسجل أن سمات وخصائص الإدارة المغربية تدلنا على أنها استقت القوانين (الشكل) من فرنسا لكن مضمونها وصبغتها مطبوع بالتاريخ المخزني. حيث تسودها ثقافة سلطوية ومخزنية وتتحرك آلياتها بالأوامر والتعليمات.

2. تعريف الموظف:

هناك تعريفان للموظف:

·    التعريف الأول جاء في الفصل الثاني من النظام الأساسي للوظيفة العمومية وهو "كل شخص تعين في وظيفة قارة ويرسم في إحدى رتب السلم بأسلاك الإدارة التابعة للدولة".

وانطلاقا من هذا التعريف يمكن أن نستخلص أهم خصائص الموظف:

←     مواطن مشغل من طرف الدولة، والدولة هنا شخصية معنوية.

←     يقوم بعمل قار مستمر ومرسم فيه ويحيلنا هذا إلى النظام الفرنسي.

←     يخدم المصلحة العامة بحكم عمله باسم الدولة.

كما يمكن أن نستنتج أن الموظفين مرتبين حسب السلم الخاص بأسلاك الإدارة مما يعني أن هناك الرتب السفلى (الموظفون المصنفون في السلالم الدنيا) الرتب المتوسطة والرتب العليا (الموظفون الكبار).

·    التعريف الثاني ونجده في القانون المقارن الذي يعتبر الموظف "كل شخص يعمل في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام بطريقة مباشرة، بصفة دائمة،  وبشرط أن يصدر تعيينه  بقرار من السلطة المختصة"

ويأتي هذا التعريف ليوسع دائرة الوظيفة العمومية لتشمل جميع أصناف العاملين في المرفق العمومي من وزراء وعمال ومدراء ومستخدمي المؤسسات العمومية سيكون أكثر موضوعية.

إنه تعريف يتميز بالشمولية والأخذ به لمناقشة قضايا الوظيفة العمومية.

3. القوانين المتحكمة في الوظيفة العمومية:

بعد تفحص أهم النصوص التي تهم الموظفين نستنتج أنها تنقسم إلى قسمين:

أ‌.           النصوص العامة أو المشتركة التي تهم جميع الموظفين (حتى العسكريين)، عددها 18 بالإضافة إلى الدستور. تتوزع هذه النصوص إلى 4 ظهائر 13 مرسوما وقانون واحد، ويعتبر الظهير رقم 1.58.008 بتاريخ 24 فبراير 2004 بمثابة النظام الأساسي للوظيفة العمومية من أهم التشريعات.

ب‌.       النصوص الخاصة ببعض فئات الموظفين: الأعوان العموميون، الإعلاميون، المهندسون، الإعلامائيون، التقنيون، المتصفون، موظفو وزارة التعليم، الباحثون في التعليم العالي، الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان، وزارة الصحة، موظفو الجماعات المحلية ... إن هذه النصوص عديدة ومتنوعة وقد تحمل مفاهيم مختلفة من فئة إلى أخرى.

ج‌.     المميزات الأساسية للقوانين المتحكمة في الموظفين:

·    أقدمها: النظام الأساسي عمره 45 سنة مما يعني أنه متجاوز ولا يمكن أن يتجاوب مع مقتضيات العصر والتغييرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي طرأت على المغرب خلال هذه السنوات.

·    قوانين معقدة ومتشعبة ولا ديمقراطية حيث تختلف المسارات الوظيفية من فئة إلى أخرى ويكفي في هذا الصدد أن نقارن طرق الترقية التي تتحكم في كل من الأعوان العموميين وفئة التقنيين والإداريين لنكتشف غياب الموضوعية والعقلانية في التشريع المتحكم في الوظيفة العمومية.

·    القوانين تحد من مبادرة الموظف بحكم واجب الطاعة والامتثال لتعليمات وأوامر الرؤساء مما يركز الثقافة السلطوية بدل ثقافة التواصل التي تحفز على البذل والعطاء والمشاركة الفعالة والمسؤولة للموظف.

4. أهمية قطاع الوظيفة العمومية:

يضم قطاع الوظيفة العمومية أزيد من 580.000 موظفا مدنيا بالإدارات العمومية والجماعات المحلية وعشرات الآلاف من المياومين والعرضيين والمؤقتين المرتبطين عضويا بالقطاع والذين تم إلحاقهم بالإدارات والجماعات المحلية كجواب على أزمة التوظيف المباشر.

يمثل عدد الموظفين نسبة 2 % من العدد الإجمالي للسكان و6 ٍ% من عدد السكان النشيطين، مما يوضح أن شريحة الموظفين ضئيلة في المغرب مقارنة مع دول أخرى حيث تصل نسبة الموظفين إلى 2.6 % من عدد السكان بالنسبة لدول آسيا و6.9 % بالنسبة لدول أوربا الشرقية و3% بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية و7.7 % بالنسبة لأوربا الغربية. ومن خلال استقراء النشرات السنوية للإحصاء يمكن أن نستخلص بعض المعطيات:

▪         عدد الموظفات يمثل نسبة     % وقد تطور هذا العدد من 88 إلى 1998 ب 4 %.

▪         عدد الموظفين الذين تتجاوز أعمارهم 40 سنة تضاعف خلال العشر سنين الأخيرة.

▪         تضم منطقة الرباط سلا زمور زعير والدار البيضاء الكبرى أزيد من 28 % من العدد الإجمالي للموظفين مما يبين الصفة المركزية التي يكتسيها قطاع الوظيفة العمومية، حيث ضخامة الإدارة المركزية وضعف التأطير على مستوى المصالح الخارجية والمحلية.

▪         يبلغ رجال ونساء التعليم وموظفة التربية الوطنية وقطاع التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي أزيد من 62 % من العدد الإجمالي للموظفين.

إن قطاع الوظيفة العمومية يعتبر مجالا مهما للتشغيل تعيش من خلال مدخوله عائلات عديدة وهو بالإضافة إلى مساهمته في الناتج الداخلي الخام بحوالي 12 % فإنه يبقى من الأعمدة الأساسية في تأطير المرافق الاجتماعية كالتعليم والصحة وتقديم الخدمات الإدارية للمواطنين من خلال الجماعات المحلية مثلا.

5. وظائف الإدارة العمومية.

تضطلع الإدارة العمومية بعدة مهام تندرج ضمن وظائف مختلفة تعكس درجة وقوة حضور الدولة في تدبير شؤون المجتمع على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهنا تكمن أهمية تصنيف هذه الوظائف ومعرفة محتوياتها، وتجدر الإشارة أن وظائف الإدارة العمومية وإن تشابهت على مستوى الشكل بالنسبة لجميع الدول مهما كان مستوى نموها وتقدمها فإن مضمونها يعبر عن طبيعة الاختيارات السياسية والاقتصادية للنظام الحاكم في بلد معين.

لهذا ارتأينا أن نقف عند التصنيفات المتعامل بها في الإدارة اعتمادا على بعض الأبحاث التي تناولت بالدرس الإدارة الفرنسية لنستعين بها في مقاربتنا للإدارة الغربية ووظائفها معتبرين أن ذلك سيساعدنا على فهم ولو جزئيا إشكالية التشغيل بالوظيفة العمومية خاصة وأن التوجه المتحكم هو إعادة النظر في تعريف وظائف الدولة في ظل سياسة العولمة والتحولات الناتجة عنها.

تنقسم وظائف الإدارة العمومية إلى ثلاث مجموعات:

  • المجموعة الأولى وهي الوظائف الرئيسية (fonctions principales) وتحتوي على وظائف السيادة: كالدفاع والعلاقات الخارجية والشرطة والقضاء والمؤسسات الدينية والسياسية والإعلام السياسي والوظائف الاقتصادية كسك النقود وتأطير البحث والإنتاجية والتجارة الخارجية وجمع الضرائب وتشجيع الاستثمار ومراقبة الأسعار وتنسيق السياسة الاقتصادية بشكل عام والوظائف الاجتماعية المتعلقة بالصحة والسلامة والسكن والتعمير والمحافظة على البيئة.

  • المجموعة الثانية ويتعلق الأمر بالوظائف المصاحبة أو الداعمة (fonctions auxiliaires) ويتضمن مجال تدبير الموارد البشرية واقتناء المعدات ووضع الميزانية والقيام بالمحاسبة وأداء المهام القانونية وحل النزاعات والتوثيق.

  • المجموعة الثالثة وهي الوظائف القيادية أو التوجيهية (fonctions de commandements) ويندرج ضمنها القيام بالدراسات وجمع المعطيات وبلورة البرامج والتخطيط والتوقيعات وكذا تنظيم المصالح الإدارية وهيكلتها وتحديد الإجراءات وتنظيم العمل والمراقبة والحرس على العلاقات العامة.

 

6. تشخيص الواقع الحالي للإدارة المغربية:

يكفي الاطلاع على الوثائق الصادرة في هذا الشأن عن المناظرة الوطنية "الأولى" حول الإصلاح الإداري بالمغرب التي انعقدت بالرباط أيام 7 و8 ماي 2003 للوقوف على الاختلالات التي تعيشها الإدارة المغربية ومظاهر قصور أدائها.

وسنكتفي في عرضنا هذا على تقديم بعض المظاهر التي نعتبرها جوهرية لأخذها بعين الاعتبار في تدارس موضوع الندوة المتعلق بعالم الشغل ويتعلق الأمر ب:

أ‌.        غياب رؤية موحدة ومشتركة للإصلاح الإداري وانعدام توفر أي استراتيجية واضحة المعالم.

ب‌.   التمركز المفرط للمصالح والسلطات والوسائل وضعف الإمكانيات والمردودية للمصالح الخارجية.

ج. تضخم أعداد البنايات الإدارية وتضخم الهياكل الإدارية (1547 جماعة محلية، 38  وزارة أكثر من الصين التي لها 29 وزير لمليار و300 مليون نسمة، 600 برلماني مقابل 500 في الولايات المتحدة).

د. هزالة الخدمات الإدارية في العالم القروي.

هـ. الفساد الإداري المتجسد في تفشي الرشوة والمحسوبية والزبونية والاختلاس وإهدار المال العام.

و. التعقيد الإداري المتمثل في تعقد المساطر والإجراءات الإدارية وتشعب المسالك وعدم وضوحها وشفافيتها.

ز. السياسة الطبقية للأجور  وعدم عدالة المنظومة الأجرية.

ن. غياب المحاسبة والمساءلة وتقييم الأداء الإداري وقصور أداء التفتيش مما تنتج عنه تراكم الأخطاء التي تجترها الإدارة العمومية إلى ما لا نهاية.

إن أزمة الإدارة المغربية العمومية التي تتجسد في هذه الاختلالات يقتضي التوفر على إرادة سياسية قوية تتظافر فيها جهود كافة الفعاليات المدنية والسياسية في إطار اختيار مجتمعي واضح يحظى بتأييد الأغلبية.

III-       تطور التشغيل بقطاع الوظيفة العمومية:

ساهم قطاع الوظيفة العمومية منذ الاستقلال إلى حدود أواخر السبعينات بشكل كبير في إنعاش سوق الشغل عبر خلق عدة مناصب للتوظيف المباشر. وقد ارتبطت هذه الفترة من جهة ببناء الإدارة وتعزيزها بالأطر المغربية ومن جهة أخرى بالدور الرئيسي للدولة في تأطير الاقتصاد وإنعاش الإنتاج الصناعي والزراعي والعمل بالمخططات الاقتصادية.

ابتداء من الثمانينات، وتحديدا عندما بدأت الدوائر المالية الدولية (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي) تفرض على المغرب تبني سياسة التقويم الهيكلي المتمثلة أساسا في الانسحاب التدريجي للدولة عبر تراجع القطاع العمومي وتخفيض مصاريف الاستثمار العمومي مقابل تشجيع القطاع الخاص والدخول في مسلسل الخوصصة أخذت مساهمة قطاع الوظيفة العمومية تنحدر حتى أصبح عدد المناصب التي توفرها ميزانية الدولة سنويا لا تتعدى 7000 مع العلم أن ميزانية سنة 1982 خلقت ما يناهز 45 ألف منصب شغل. وتجدر الإشارة |إلى أن هذه الفترة عرفت ظاهرة جديدة في مجال التشغيل حيث التجأت الإدارة لملئ الخصاص بدل التوظيف المباشر إلى استخدام المياومين والمؤقتين والعرضيين الذين أصبحوا مع مرور السنوات يتمتعون وفق القانون بحق الترسيم وبالتالي أصبحوا موظفين. تصل أعداد هذه الفئة، المرسمون منهم أو اللذين ما زالوا ينتظرون الترسيم  بعشرات الآلاف وهم جميعا ينتمون إلى الفئات المصنفة في السلاليم الدنيا أي الفئات التي ترغب الدولة تشجيعهم على المغادرة في إطار المرسوم 203.705 الصادر بتاريخ 31 دجنبر 2003.

يتضح من خلال ما سبق أن الإدارة المغربية تفتقد لسياسة واضحة في مجال التشغيل وأن المقاربة المالية التي حاصرت التوظيف المباشر ودفعت به إلى حدود الصفر لم توقف تدفق عدد من الموظفين بطريقة الترسيم التي توفر للإدارة عناصر لا ترغب في الاحتفاظ بها وتشجعها على المغادرة

IV-        الإصلاح الإداري وآفاق الشغل:

1.     الإصلاح الإداري ومستجدات قوانين الوظيفة العمومية:

تزامن ظهور مفهوم الإصلاح الإداري مع دخول المغرب في سياسة التقويم الهيكلي، ولقد كان ظهوره كمقاربة تهدف إلى إيجاد الحلول للاختلالات التي راكمتها الإدارة منذ الاستقلال للاستجابة لمضامين توصيات الدوائر الحالية الدولية القاضية بإعادة النظر في دور الدولة ، في هذا الإطار، ومنذ 21 سنة، تم إنتاج 121 تقريرا في موضوع الإصلاح الإداري تضمنت مجموعة من الدراسات والوثائق والكراسات، وآخرها نتاج المناظرة التي سميت "بالأولى" حول الإصلاح الإداري بالمغرب سنة 2002.

يتضح، حسب المتتبعين لمشاكل الإدارة المغربية، أن هذه الأخيرة مازالت تعاني من مفارقات عديدة وأن كل الدراسات التي ابتلعت ميزانيات ضخمة ووقتا طويلا بقيت حبرا على ورق وأن الإصلاح الإداري بقي مفهوما غامضا لم يستطع إلى حد اليوم القائمون على شؤون الإدارة المغربية أن يكونوا رؤية واضحة المعالم حول إصلاح إداري ناجع وفعال عصري وديمقراطي يجعل الإدارة في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

هكذا تبقى التساؤلات عن طبيعة الإصلاح الإداري المنشود مطروحة.

أ نريد أن نغير أم نرمم أم نقوي قدراتنا لمسايرة التقدم التكنولوجي ؟

أ نبدأ الإصلاح بإعادة النظر في الهياكل والبنايات أم بمراجعة المناهج الإدارية المتبعة ؟

كيف نتجاوز التناقضات التي تحكم العلاقة بين المسؤولين الإداريين الذين يتحركون، كل حسب طريقته، لعرقلة كل إصلاح يمس بمصالحهم والحفاظ على الأمر الواقع ؟

ما هي العلاقة التي يجب أن تربط الإدارة بالسياسة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية باعتبار الإدارة أداة في يد الدولة لإعمال اختياراتها ؟

إنها أهم التحديات التي تواجه الإصلاح الإداري، فماذا حققنا إلى حد الساعة وما هي إجابات المسؤولين عن هذه التساؤلات ؟

إن ما هو مطروح اليوم من طرف وزارة تحديث القطاعات العامة والذي يمكن أن نسميه تجاوزا "بالإصلاح الإداري" هو عبارة عن مشاريع قوانين أهمها القانون المتعلق بالإدارة والنظام الأساسي للوظيفة العمومية مصحوب بمجموعة من الإجراءات المتعلقة بتقييم أداء الموظفين وتبسيط المساطر الإدارية بالاستفادة من التقدم التكنولوجي. فما موقع قضية التشغيل فيما يتم حاليا من مراجعة قوانين الوظيفة العمومية وإعادة النظر في أداء الإدارة ؟

إن الإجراءات المحدثة والمستجدات القانونية المطروحة تترجم الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتبعة في البلاد المندرجة في سياسة العولمة اللبرالية الاقتصادية المتوحشة التي تفرض تخلي الدولة عن الوظائف الاجتماعية لصالح القطاع الخاص وأن تقتصر على الوظائف الأساسية (المنطلق رقم 1 لمذكرة تقديم مشروع القانون المتعلق بالإدارة وبالنظام الأساسي للوظيفة العمومية) مع الحرص على الحفاظ على التوازنات المالية العمومية وميزانية الأداءات وضبط نسبة التضخم والمراهنة على القطاع الخاص.

إن هذه الاختيارات في جوهرها تغيب توازن سوق العمل وتنشيط التشغيل مقابل المحافظة على التوازنات المالية التي تقتضي التخفيض المتواصل لمصاريف الاستثمار العمومي وبالتالي الضغط على خلق مناصب الشغل بالوظيفة العمومية والإدارة بصفة عامة. ويتضح من خلال قراءة مقدمة الوثيقة المتعلقة بتشخيص الوضع الحالي للإدارة، الصادرة عن المناظرة الوطنية لسنة  2002، أن من بين تحديات الإدارة في المجال الاجتماعي محاربة آثار البطالة والأمية والفقر. مما يبين أن الإدارة ستهتم أساسا بمحاربة آثار البطالة وليس بمحاربة البطالة نفسها أي بوضوح تام  ليس بخلق مناصب لتشغيل المعطلين.

وحسب منطق هذه الاختيارات يتبين أنها تسعى إلى:

-         التحكم في عدد الموظفين والتقليص من عددهم وذلك في اتجاه التخفيض من كتلة الأجور وجعل القطاع محروسا صعب المنال؛

-         خوصصة المنشآت العمومية وانسحاب الدولة مع ما ترتب عن ذلك من تسريحات جماعية .

إن القوانين المقترحة والمشاريع المعلن عنها لا يمكن أن نعتبرها إصلاحا إداريا حقيقيا بقدر ما هي إجراءات مصاحبة وداعمة لاختيار التقليص من عدد الموظفين وضبط الدخول للوظيفة العمومية. إن هذا الاستنتاج نستشفه من خلال استعراضنا لمضمون بعض القوانين وبنود المشروع المتعلق بالإدارة وبالنظام الأساسي للوظيفة العمومية:

-         عملية المغادرة الطوعية؛

-         المرسوم المتعلق بإلغاء التوظيف في السلاليم 1 إلى 4 مع تفويت مهام هذه الفئات للقطاع الخاص؛

-         المادة 90 من مشروع  النظام الأساسي للوظيفة العمومية الذي يقر المباراة كقاعدة وحيدة للتوظيف ويتراجع عن التوظيف المباشر؛

-         المادة 95 من نفس المشروع  الذي يفتح إمكانية  التوظيف بموجب عقد شغل محدد المدة مما يؤسس لهشاشة العمل وعدم استقراره على مستوى الوظيفة العمومية وهنا نلاحظ الانتقال من النظام الفرنسي المرتكز على الدوام في الوظيفة إلى النظام الأمريكي المعتمد على التعاقد.

من خلال مضامين هذه القوانين التي ذكرناها في هذه المداخلة و القوانين الأخرى التي يمكن الاطلاع عليها عبر دراسة مقتضيات مشروع النظام الأساسي يمكن أن نتساءل ما هي آفاق التشغيل بقطاع الوظيفة العمومية؟

2.     آفاق التشغيل بقطاع الوظيفة العمومية

إن قطاع الوظيفة العمومية الذي تقوم الدولة من خلاله بوظائفها، لا يمكن في نظرنا أن يساهم بشكل حقيقي في إنعاش الشغل والاستجابة لمطامح الأفواج  العريضة من الشباب المغربي المعطل دون المراجعة الجذرية لاختيارنا الاقتصادي التبعي وإعطاء الدولة موقعا استراتيجيا في تأطير الاقتصاد الوطني ودورا مركزيا في تدبير التنمية ومساعدة فئات عريضة من الشعب المغربي لمواجهة الأمية والأمراض وقلة التجهيزات وتخلف العالم القروي باستخدام الطاقات المعطلة والمقصية من المشاركة في الإنتاج الوطني؛ مما يستوجب امتلاك إدارة قوية وفعالة تحتاج باستمرار  لأطر كفئة ومؤهلة.

لكن إذا اعتبرنا المناداة بالمراجعة الجذرية لاختيارنا الاقتصادي في ظل الهيمنة اللبرالية المتوحشة وضعف مقاومتها وغياب البديل الحقيقي هو ضرب من الخيال وطموح انقرض وزال وحسبنا أنفسنا في المنطق الحالي للدولة وتبنينا طريقة معالجتها للأمور يمكن في نظرنا على الأقل خلق مناصب شغل بالوظيفة العمومية عبر التدخل (التدخل يتطلب إرادة سياسية قوية) في المجالات التالية:

أ‌-       مراجعة فورية للسياسة الطبقية لأجور الوظيفة العمومية وذلك بتقليص الفوارق المخجلة التي تعرفها الأجور وذلك لتحديدها في نسبة 1 إلى 10 بدل 1 على 33 حسب المعطيات الرسمية. وهنا يمكن أن نستحضر رواتب وزرائنا التي تساوي 42 مرة الحد الأدنى للأجور مقابل نظرائهم بفرنسا الذين يتقاضون 11 مرة فقط الحد الأدنى للأجور، كما يمكن أن نتساءل عن عدد البرلمانيين والميزانية التي تتطلب أجورهم أضف إلى كل هذا المنح والتعويضات التي يتقاضاها الموظفون السامون والمتحكمون في مصادر القرار الذين يمثلون 1 % من السكان.

إن منظومة الأجور بالوظيفة العمومية نموذجا صارخا لغياب العدالة الاجتماعية وأن الوضع يستدعي تدخلا سريعا وعاجلا لتسوية الاختلال الفظيع.

ب‌- محاربة الفساد الإداري:

إن ظاهرة الفساد الإداري ما زالت متفشية في الأوساط الإدارية ومازال استغلال الموارد المالية والبشرية من طرف كبار الموظفين ساري المفعول. إن هذا الواقع الذي ينتج عنه تبذير أموال الشعب وتسخيرها لأغراض شخصية تستوجب النضال من أجل تغييره في اتجاه فتح آفاق جديدة في وجه شبابنا المعطل.

ج- القضاء على المحسوبية والزبونية في التوظيف والتخلص من الموظفين الأشباح:

     تعتبر هذه الظواهر عائقا أساسيا في وجه الإصلاح الإداري بشكل عام مما يتطلب محاربتها بقوة لخلق إمكانيات التشغيل.

محمد هاكاش

مناضل نقابي

بالاتحاد المغربي للشغل
 
التالى >

مـَزْيـانْ تَـعْـرَفْ

مزيان تعرف

أقوال الصحف

press.jpg

محطات مصورة

Université Estivale USF-UMT 2009

congres_usfumt2008_6.jpgتعميم موجه إلى مسؤولي الاتحادات المحلية للاتحاد المغربي للشغل، قيادات الجامعات والنقابات الوطنية المرتبطة بالاتحاد النقابي للموظفين، مسؤولي التنظيمات الموازية للاتحاد النقابي للموظفين، مسؤولي اللجان الفئوية المرتبطة بالاتحاد النقابي للموظفين، عموم الأطر النقابية العاملين وسط الموظفين بمختلف المناطق

[التفاصيل...]
 

مجموعة إ.ن.م/إ.م.ش

للتسجيل بمجموعة usf_umt

لدخول مجموعة usf_umt

البحث في هذا الموقع

 
depliant.jpg

مواقع الاتحاد المغربي للشغل

موقع الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي إ.م.ش
موقع النقابة الوطنية للعاملين بالتعليم العالي
النقابة الوطنية للمياه والغابات إ.م.ش
usf_marrakech.jpg